أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي

464

تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )

بموت العذّال ، وشمس الجنوب بروح الشمال . عشق الأدب قبل أن عقدت عليه تمائمه ، وزبنته دون الاحتضان روائمه ؛ فجاء كالقدح هدى أوله النصل المطار ، وحدا أسفله الريش الظهار . وناهز عشرين من سنيه « 1 » يرى الخليل في جنب « 2 » فضله خليلا ، وسيبويه كليلا ، وعبد الحميد رديدا ، وابن العميد عميدا . إن خطّ فنقش العيد على أيدي الكواعب الغيد ، وإن لفظ فعقود الرود منظومة ، وأقاحي البطاح مرهومة « 3 » . ولولا أن أباه اعتبطه دون مداه ، لخلّف من آثار بنانه ، وخلّد من أنوار إبداعه وإحسانه ، ما يفضح ماء الورد في تصعيده ، وعصير الخمر من « 4 » عناقيده . لكنه لم يغن إلا قدر ما لمحته العيون ، حتى اختطفته المنون ، فقامت نواعي المجد يندبنه جميعا ، ويبكينه نجيعا : فظللت من بينهم صريعا * أنشدهم [ 210 ب ] واله القلب وجيعا قد كان لي في رأيه وذكائه * أشراط صدق أن يموت سريعا ولقد ضمني وإياه مجلس لبعض أركان الدولة اليمينية ، فاتفقنا ثاني اثنين من بين الحضور « 5 » في تنافث الهموم ، وتذاكر العلوم ، وتناشد أبيات الكرم واللؤم ، فما كان إلا أن حمي المجلس بناره ، وعقر الشرب بعقاره ، حتى انحلّ عنه عقال اختياره ، وانفتحت له أقفال أسراره ، فغرّق في بحر الدموع عينه ، وألقى إليّ ما دار بين أبيه وبينه ، يقرر ما نشأ عليه من خدمة الأدب ، والاستغناء بعصام النفس عن عظام النسب ، على طاعة من ولد في حجره ، والبروز على حكمي أمره وزجره . وإنه حين ملك أمره ، وعرف من خلّه خمره « 6 » ، وانفرد بتدبير معاشه ، وتوفير نعمته ورياشه ، ناهض « 7 » بأمله معونة أبيه ببعض ما يستحقه بررة

--> ( 1 ) وردت في ب : سنه . ( 2 ) وردت في ب : جنبه . ( 3 ) ممطورة ، صفة من الرّهمة : المطر الضعيف الدائم الصغير القطر . ابن منظور - لسان العرب ، مج 12 ، ص 257 ( رهم ) . ( 4 ) وردت في د : عن . ( 5 ) وردت في ب : الخضود . ( 6 ) أي عرف الخمر من الخل ، ويعني صار يميز الصالح وغير الصالح . ( 7 ) وردت في ب : كما نهض .